سهيلة عبد الباعث الترجمان
469
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ولا يظهر إلا بتلك الصورة سواء أطلق أو قيد ، وهذا الإله لا يسعه إلّا قلب العبد المؤمن بالإيمان الغيبي ، لأن المعتقد لا يكون إلّا في القلب ، وليس شأن الإله المطلق كذلك ، لأنه هو عين كل شيء ، فلا يسعه شيء إلا قلب العارف الذي هو عين الكل لتقلبه مع الحق في إطلاقه ، وتقيده ، لتجرده عن تعيينه وتعينه لفنائه في الحق وبقائه ببقائه ، ذلك أن قلب الحق متعين بالتعين الأول الخفي والمستهلك لجميع التعينات فيه « 1 » وإن كان بالي « * » يفرق في شرحه بين الإله المطلق والإله المحدود ولكن الأمر في حقيقته واحد « 2 » . ووصف " غارديه L . Gardet " شعر ابن عربي بأنه شعر كبير مزج فيه بين الحب الدنيوي والحب الإلهي ، وإن كان الحب الإلهي صعبا على الفهم ، ولكنه يظهر قبل كل شيء أشبه بنتيجة لقابلية الكائن المخلوق من منبع هذا الحب ، ولكنه بدّله بلغة التوحيد التي يعبر بها الصوفية عن محبتهم للّه الواحد « 3 » . والواقع أنه لا يمكن إنكار ما لابن عربي من كبير الأثر في دفع الحب في هذا الطريق الصوفي ، وربطه بالدين بالرغم من اختلاف صوره ، واستمرارية الوجود به ، ويرى نيكلسون أنه لا بد من إنصاف ابن عربي والاعتراف بفضله في هذا المجال ، فهو لم يكن مؤمنا بوجود اللّه فحسب ، بل إنه بالحب كقاعدة يقوم عليها كل شيء ، لذلك فهو يرى أن جوهر الحقيقة الإلهية قائم على الحب ، وأنه ليس بمقدور العبد مهما كان شأنه أن يكشف عن أسمى وأرقى ما فيه من الاستعدادات والقدرات من غير أن يدين بهذا المبدأ الأزلي ، وهو الحب الذي جعل من الوجود كله وحدة متماسكة « 4 » . وعليه ،
--> ( 1 ) القاشاني ، شرح على الفصوص ، مصدر سابق ، ص 282 + . ( * ) ويعرف بالي باسم بالي الصوفية وي ( . . . - 960 ه ) بالي خليفة الصوفية وي ، وهو عالم مشارك في أنواع من العلوم . شرح فصوص الحكم لابن عربي ، شرح حديث كنت كنزا مخفيا . ( حاجي خليفة ، كشف الظنون ، ص . ص 109 - 883 - 1040 - 1263 ، معجم المؤلفين ، عمر كحالة ، ص 38 . ( 2 ) بالي أفندي ، حل المواضع الخفية ، هامش شرح القاشاني ، ص 282 . ( 3 ) Anawati , et Gardet , Mystique musulmane , aspects et tendances , Paris , 1961 . P . P . 59 - 60 . ( 4 ) نيكلسون ، الصوفية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 150 .